فصل: الكلام في الفقر والغنى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفصل في الملل والنحل **


 الكلام في الفقر والغنى

قال أبو محمد‏:‏ اختلف قوم في أي الأمرين أفضل الفقر أم الغنى‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا سؤال فاسد لأن تفاضل العمل والجزاء في الجنة إنما هو العامل لا الحالة محمولة فيه إلا أن يأتي نص بتفضيل الله عز وجل حالا على حال وليس هاهنا نص في فضل إحدى هاتين الحالتين على الأخرى‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وإنما الصواب أن ي قال أيما أفضل الغني أم الفقير والجواب هاهنا هو ما قال ه الله تعالى إذا يقول ‏"‏ هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ‏"‏ فإن كان الغني أفضل عملا من الفقير فالغنى أفضل وإن كان الفقير أفضل عملا من الغنى فالفقير أفضل وإن كان عملهما متساويا فهما سواء قال عز وجل ‏"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ‏"‏ وقد استعاذ النبي صلى الله عليه ومن فتنة الفقر وفتنة الغنى وجعل الله عز وجل الشكر بإزاء الغنى والصبر بإزاء الفقر فمن أبقى الله عز وجل فهو الفاضل غنيا كان أو فقيرا وقد اعترض بعضهم ها هنا بالحديث الوارد أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بكذا وكذا خريفا ونازع الآخرون بقول الله عز وجل ‏"‏ ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ‏"‏‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ والغنى نعمة إذا قام بها حاملها بالواجب عليه فيها وأما فقراء المهاجرين فهم كانوا أكثر وكان الغني فيهم قليلا والأمر كله منهم وفي غيرهم راجع إلى العمل بالنص والإجماع على أنه تعالى لا يجزي بالجنة على فقر ليس معه عمل خير ولا على غنى ليس معه عمل خير وبالله التوفيق‏.‏

 الكلام في الاسم والمسمى

قال أبو محمد‏:‏ ذهب قوم إلى أن الاسم هو المسمي و قال آخرون الاسم غير المسمى واحتج من قال أن الاسم هو المسمى بقول الله تعالى ‏"‏ تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ‏"‏ ويقرأ أيضا ذو الجلال والإكرام قال ولا يجوز أن ي قال تبارك غير الله فلو كان الاسم غير المسمى ما جاز أن ي قال تبارك اسم ربك وبقوله تعالى ‏"‏ سبح اسم ربك الأعلى ‏"‏ فقالوا ومن الممتنع أن يأمر الله عز وجل بأن يسبح غيره وبقوله عز وجل ‏"‏ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ‏"‏ و قال وا الاسم مشتق من السمو وأنكروا على من قال أنه مشتق من الوسم وهو العلامة وذكروا قول لبيد ‏"‏ إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر و قال وا قال سيبويه الأفعال أمثلة احدث من لفظ أحداث الأسماء قال وا وإنما أراد المسمين هذا كل ما احتجوا به قد تقصيناه لهم ولا حجة لهم في شئ منه أما قول الله عز وجل تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام وذو الجلال فحق ومعنى تبارك تفاعل من البركة والبركة واجبة لاسم الله عز وجل الذي هو كلمة مؤلفة من حروف الهجاء ونحن نتبرك بالذكر له وبتعظيمه ونجله ونكرمه فله التبارك وله الإجلال منا ومن الله تعالى وله الإكرام من الله تعالى ومنا حيثما كان من قرطاس أو في شيء منقوش فيه أو مذكور بالألسنة ومن لم يجل اسم الله عز وجل كذلك ولا إكرامه فهو كافر بلا شك فالآية على ظاهرها دون تأويل فبطل تعلقهم بها جملة ولله تعالى الحمد وكل شيء نص الله تعالى عليه أنه تبارك فذلك حق ولو نص تعالى بذلك على أي شئ كان من خلقه كان واجبا لذلك الشيء وأما قوله تعالى ‏"‏ سبح اسم ربك الأعلى ‏"‏ فهو على ظاهره دون تأويل لأن التسبيح في اللغة التي بها نزل القرآن وبها خاطبنا الله عز وجل هو تنزيه الشئ عن السوء وبلا شك أن الله تعالى أمرنا أن ننزه اسمه الذي هو كلمة مجموعة من حروف الهجاء عن كل سوء حيث كان من كتاب أو منطوقا به ووجه آخر وهو أن معني قوله تعالى ‏"‏ سبح اسم ربك الأعلى ‏"‏ ومعنى قوله تعالى ‏"‏ إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم ‏"‏ معنى واحد وهو أن يسبح الله تعالى باسمه ولا سبيل إلى تسبيحه تعالى وتسبيح اسمه كل ذلك واجب بالنص ولا فرق بين قوله تعالى ‏"‏ فسبح باسم ربك العظيم ‏"‏ وبين قوله ‏"‏ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ‏"‏ والحمد بلا شك هو غير الله وهو تعالى نسبح بحمده كما نسبح باسمه ولا فرق فبطل تعلقهم بهذه الآية والحمد لله رب العالمين‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ أما قوله تعالى ‏"‏ ما تعبدون من دونه إلا اسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ‏"‏ فقول الله عز وجل حق على ظاهره ولهذه الآية وجهان كلاهما صحيح أحدهما أن معنى قوله عز وجل ‏"‏ ما تعبدون من دونه إلا أسماء أي إلا أصحاب أسماء برهان ‏"‏ هذا قوله تعالى إثر ذلك متصلا بها سميتموها أنتم وآباؤكم فصح يقينا أنه تعالى لم يعن بالأسماء هاهنا ذوات المعبودين لأن العابدين لها لم يحدثوا قط ذوات المعبودين بل الله تعالى توحد بإحداثها هذا ما لا شك فيه والوجه الثاني أن أؤلئك الكفار إنما كانوا يعبدون أوثانا من حجارة أو بعض المعادن أو من خشب وبيقين ندري انهم قبل أن يسموا تلك الجمل من الحجارة ومن المعادن ومن الخشب باسم اللات والعزي ومناة وهبل وود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا وبعل قد كانت ذواتها بلا شك موجودات قائمة وهم لا يعبدونها ولا تستحق عندهم عبادة فلما أوقعوا عليها هذه الأسماء عبدوها حينئذ فصح يقينا أنهم لم يقصدوا بالعبادة إلا الأسماء كما قال الله تعالى لا الذوات المسميات فعادت الآية حجة عليهم وبرهانا على أن الاسم غير المسمي بلا شك وبالله تعالى التوفيق وأما قولهم أن الاسم مشتق من السمو وقول بعض من خالفهم انه مشتق من الوسم فقولان فاسدان كلاهما باطل افتعله أهل النحو لم يصح قط عن العرب شيئا منهما وما اشتق لفظ الاسم قط من شيء بل هو اسم موضوع مثل حجر وجبل وخشبة وسائر الأسماء لا اشتقاق لها وأول ما تبطل به دعواهم هذه الفاسدة أن ي قال لهم قال الله عز وجل ‏"‏ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ‏"‏ فصح أن من لا برهان له على صحة دعواه فليس صادقا في قوله فهاتوا برهانكم على أن الاسم مشتق من السمو أو من الوسم وإلا فهي كذبة كذبتموها على العرب وافتريتموها عليهم أو على الله تعالى الواضع للغات كلها وقول عليه تعالى أو على العرب بغير علم وإلا فمن أين لكم أن العرب اجتمعوا فقالوا نشتق لفظة اسم من السمو أو من الوسم والكذب لا يستحله مسلم ولا يستسهله فاضل ولا سبيل لهم إلى برهان أصلاً بذلك وأيضا فلو كان الاسم مشتقا من السمو كما تزعمون فتسمية العذرة والكلب والجيفة والقذر والشرك والخنزير والخساسة رفعة لها وسمو لهذه المسميات وتباً لكل قول أدى إلى هذا الهوس البارد وأيضاً فهبك أنه قد سلم لهم قولهم أن الاسم مشتق من السمو أي حجة في ذلك على أن الاسم هو المسمى بل هو حجة عليهم لأن ذات المسمي ليست مشتقة أصلاً ولا يجوز عليها الاشتقاق من السمو ولا من غيره فصح بلا شك أن ما كان مشتقا فهو غير ما ليس مشتقا والاسم بإقرارهم مشتق والذات المسماى غير مشتقة فالاسم غير الذات المسماة وهذا يليح لكل من نصح نفسه أن المحتج بمثل هذا السفه عيار مستهزيء بالناس متلاعب بكلامه ونعوذ بالله من الخذلان‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا قول يؤدي من اتبعه وطرده إلى الكفر المجرد لأنهم قطعوا أن الاسم مشتق من السمو وقطعوا أن الاسم هو الله نفسه فعلى قولهم المهلك الخبيث أن الله يشتق و أن ذاته نفسها مشتقة وهذا ما لا ندري كافرا بلغه والحمد لله على ما من به من الهدي وأيضا فإن الله تعالي يقول ‏"‏ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ‏"‏ إلى قوله تعالى ‏"‏ قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ‏"‏‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فلا يخلو أن يكون الله عز وجل علم آدم الاسماء كلها كما قال عز وجل إما بالعربية وإما بلغة أخرى أو بكل لغة فإن كان عز وجل علمه الأسماء بالعربية فإن لفظة اسم من جملة ما علمه لقوله تعالي الأسماء كلها ولأمر تعالى آدم بأن يقول للملائكة أنبئوني بأسماء هؤلاء فلا يجوز أن يخص من هذا العموم شيء أصلاً بل هو لفظ موقف عليه كسائر الأسماء ولا فرق وهو من جملة ما علمه الله تعالى آدم عليه السلام إلا أن يدعوا أن الله تعالى لشتقه فالقوم كثيرا ما يستسهلون الكذب على الله تعالى والإخبار عنه بما لا علم لهم به فصح يقينا أن لفظة الاسم لا اشتقاق لها وإنما هي اسم مبتدأ كسائر الأسماء والأنواع والأجناس وأن كان الله تعالى علم آدم الأسماء كلها بغير العربية فإن اللغة العربية موضوعة للترجمة عن تلك اللغة بدل كل اسم من تلك اللغة اسم من العربية موضوع للعبارة عن تلك الألفاظ وإذا كان هذا فلا مدخل للاشتقاق في شيء من الأسماء أصلاً لا لفظة اسم ولا غيرها وإن كان تعالى علمه الأسماء بالعربية وبغيرها من اللغات العربية فلفظة اسم من جملة ما علمه وبطل أن يكون مشتقا أصلاً والحمد لله رب العالمين فبطل قولهم في اشتقاق الاسم وعاد حجة عليهم وبالله تعالى التوفيق وأما بيت لبيد فإنه يخرج على وجهين أحدهما أن السلام اسم من أسماء الله تعالى قال ى تعالى ‏"‏ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ‏"‏ ولبيد رحمه الله مسلم صحيح الصحبة للنبى صلى الله عليه وسلم و معناه ثم اسم الله عليكما حافظ لكما والوجه الثاني أنه أراد بالسلام التحية ولبيد لا يقدر هو ولا غيره على إيقاع التحية عليهما وإنما يقدر لبيد وغيره على إيقاع اسم التحية والدعاء بها فقط فأي الأمرين كان فاسم السلام في بيت هو غير معنى السلام فالاسم في ذلك البيت غير المسمى ولا بد ثم لو صح ما يدعونه على لبيد ولو صح لكان قول عائشة رحمها الله ورضي الله عنها إنما أهجر اسمك بيانا أن الاسم غير المسمى وأن اسمه عليه السلام غيره لأنها أخبرت أنها لا تهجره وإنما تهجر اسمه رضوان الله عليها وهى ليست في الفصاحة دون لبيد وهي أولى بان تكون حجة من لبيد فكيف وقول لبيد حجة عليهم لا لهم والحمد الله رب العالمين وقد قال رؤبة - باسم الذي في كل سورة سمر - ورؤبة ليس دون لبيد في الفصاحة وذات الباري تعالى ليست في كل سورة وإنما في السورة اسم الله تعالى فلا شك أن الذي في السورة غير الذي ليس فيها و قال أبو ساسان حصين بن المنذر ابن الحارث بن وعلة الرقاشي لابنه غياظ‏:‏ وسميت غياظا ولست بغياظ عدوا ولكن الصديق تغيظ فصرح بأن الاسم غير المسمي تصريحا لا يحتمل التأويل بخلاف ما ادعوه على لبيد وأما قول سيبويه أن الأفعال أمثلة أحدث من لفظ إحداث الأسماء فلا حجة لهم فيه فبيقين ندري أنه أراد إحداث أصحاب الأسماء برهان ذلك قوله في غير ما موضع من كتابه أمثلة الأسماء من الثلاثي والرباعي والخماسي والسداسي والسباعي وقطعه بأن السداسى والسباعي من الأسماء مزيدان ولا بد وأن الثلاثي من الأسماء أصلي ولا بد وأن الرباعي والخماسي من الأسماء يكونان أصليين كجعفر وسفرجل ويكونان مزيدين وأن الثنائى من الأسماء منقوص مثل يد ودم ولو تتبعنا قطعه على أن الأسماء هي الأبنية المسموعة الموضوعة ليعرف بها المسميات لبلغ أزيد من ثلثمائة موضع أفلا يستحي من يدري هذا من كلام سيبويه اطلاقا لعلمه بأن مراده لا يخفى على أحد قرأ من من كتابه ورقتيين ونعوذ بالله من قلة الحياء وأول سطر في كتاب سيبويه بعد البسملة هذا باب علم ما الكلم من العربية فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فالاسم رجل وفرس فهذا بيان جلي من سيبويه ومن كل من تكلم في النحو قبله وبعده على أن الأسماء هي بعض الكلام وان الاسم هو كلمة من الكلم ولا خلاف بين أحد له حس سليم في أن المسمي ليس كلمة ثم قال بعد أسطر يسيرة والرفع والجر والنصب والجزم بحروف الإعراب وحروف الإعراب الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين وهذا منه بيان لا إشكال فيه أن الأسماء غير الفاعلين وهي التي تضارعها الأفعال التي في أوائلها الزوائد الأربع وما قال قط من يرمي بالحجارة أن الأفعال تضارع المسمين ثم قال والنصب في الأسماء رأيت زيدا والجر مررت بزيد والرفع هذا زيد وليس في الأسماء جزم لتمكنها وإلحاق التنوين وهذا كله بيان أن الأسماء هي الكلمات المؤلفة من الحروف المقطعة لا المسمون بها ولو تتبع هذا في أبواب الجمع وأبواب التصغير والنداء والترخيم وغيرها لكثر جداً وكاد يفوت التحصيل‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فسقط كل ما شغب به القائلون بأن الاسم هو المسمى وكل قول سقط احتجاج أهله وعري عن البرهان فهو باطل ثم نظرنا فيما احتج به القائلون أن الاسم غير المسمى فوجدناهم يحتجون بقول الله تعالى ‏"‏ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ‏"‏ قال وا والله عز وجل واحد والأسماء كثيرة وقد تعالى الله عن أن يكون اثنين أو أكثر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة قال وا ومن قال أن خالقه أو معبوده تسعة وتسعون فهو شر من النصارى الذين لم يجعلوه إلا ثلاثة‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا برهان ضروري لازم ورأيت لمحمد بن الطيب الباقلاني ولمحمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني أنه ليس لله تعالى إلا اسم واحد فقط‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا معارضة وتكذيب لله عز وجل وللقرآن ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع العالمين ثم عطفا فقال ا معنى قول الله عز وجل ولله الأسماء الحسنى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لله تسعة وتسعين اسما إنما هو التسمية لا الأسماء‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وكان هذا التقسيم أدخل في الضلال من ذلك الإجمال ويقال لهم فعلى قولكم هذا أراد الله تعالى أن يقول لله التسميات الحسنى فقال الأسماء الحسنى وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول أن لله تسعة وتسعين تسمية فقال تسعة وتسعين اسما أعن غلط وخطأ قال الله تعالى ذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم أم عن عمد ليضل بذلك أهل الاسلام أم عن جهل باللغة التي تنبهتما لها أنتما ولا بد من أحد هذه الوجوه ضرورة لا محيد عنها وكلها كفر مجرد ولا بد لهم من أحدها أو ترك ما قال وه من الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هذا ودعواهم في ذلك ظاهر الكذب بلا دليل ولا يرضي بهذا لنفسه عاقل‏.‏

الاسم على المسمى فهي شىء ثالث غير الاسم وغير المسمى فذات الخالق تعالى هي الله المسمى والتسمية هي تحريكنا عضل الصدر واللسان عند نطقنا بهذه الحروف وهي غير الحروف لأن الحروف هي الهواء المندفع بالتحريك فهو المحرك بفتح الراء والإنسان هو المحرك بكسر الراء والحركة هي فعل المحرك في دفع المحرك وهذا أمر معلوم بالحس مشاهد بالضرورة متفق عليه في جميع اللغات واحتجوا أيضا بقول الله تعالى ‏"‏ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ‏"‏ وهذا نص لا يحتمل تأويلا في أن الاسم هو الياء والحاء والياء والألف ولو كان الاسم هو المسمي لما عقل أحد معنى قوله تعالى لم نجعل له من قبل سميا ولا فهم ولكان فارغا حاشا لله من هذا ولا خلاف في أن معناه لم يعلق هذا الاسم على أحد قبله وذكروا أيضا قول الله عز وجل عن نفسه هل تعلم له سميا وهذا نص جلي على أن أسماء الله تعالى التي اختص بها لا تقع على غيره ولو كان ما يدعونه لما عقل هذا اللفظ أحد أيضا حاشا لله من هذا واحتجوا أيضا بقول الله تعالى مبشرا برسوله يأتي من بعدي اسمه أحمد وهذا نص على أن الاسم هو الألف والحاء والميم والدال إذا اجتمعت واحتجوا أيضا بقول الله عز وجل وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين إلى قوله قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم الآية وهذا نص جلى على أن الأسماء كلها غير المسميات لأن المسميات كانت أعيانا قائمة وذوات ثابته تراها الملائكة وإنما جهلت الأسماء فقط التي علمها الله آدم وعلمها آدم الملائكة وذكروا قول الله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى وهذا ما لا حيلة لهم فيه لأن لفظة الله هي غير لفظة الرحمن بلا شك وهي بنص القرآن أسماء الله تعالى والمسمى واحد لا يتغاير بلا شك وذكروا قول الله عز وجل ‏"‏ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ‏"‏ وهذا بيانا أيضا جلي مجمع عليه من أهل الإسلام أن الذي عنده التذكية فهو الكلمة المجموعة من الحروف المقطعة مثل الله والرحمن والرحيم وسائر أسمائه عز وجل واحتجوا من الإجماع بأن جميع أهل الإسلام لا نحاشى منهم أحدا قد أجمعوا على القول بأن من حلف باسم من أسماء الله عز وجل فحنث فعليه الكفارة ولا خلاف في أن ذلك لازم فيمن قال والله أو والرحمن أو والصمد أو أي اسم من أسماء الله عز وجل حلف بها فما أسخف عقولا يدخل فيها تخطئة ما جاء به الله عز وجل في القرآن وما قال ه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه أهل الإسلام وما أطبق عليه أهل الأرض قاطبة من أن الاسم هو الكلمة المجموعة من الحروف المقطعة وتصويب الباقلاني وابن فورك في أن ذلك ليس هو الاسم وإنما هو التسمية والحمد لله الذى لم يجعلنا من أهل هذه الصنعة المرذولة ولا من هذه العصابة المخذولة واحتجوا أيضا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك فذكرت اسم الله فكل فصح أن اللفظ المذكور هو اسم الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن له أسماء وهي احمد ومحمد والعاقب والحاشر والماحي فيالله وياللمسلمين أيجوز أن يظن ذو مسكة عقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس ذوات تبارك الذي يخلق ما لا نعلم وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم تسموا بأسمي ولا تكنوا بكنيتى فصح أن الاسم هو الميم والحاء والميم والدال بيقين لا شك فيه واحتجوا بقول عائشة رضى الله عنها بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لها عليه السلام إذا كنت راضية عني قلت لا ورب محمد وإذا كنت ساخطة قلت لا ورب إبراهيم قال ت أجل والله يارسول الله ما أهجر إلا اسمك فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ذلك القول فصح أن اسمه غيره بلا شك لأنها لم تهجر ذاته وإنما هجرت اسمه واحتجوا أيضا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء همام والحارث وروى أكذبهما خالد ومالك وهذا كله يبين أن الاسم غير المسمى فقد يسمى عبد الله وعبد الرحمن من يبغضه الله عز وجل وقد يسمى من يكون كذابا الحارث وهماماويسمى الصادق خالد ومالكا فهم بخلاف أسمائهم واحتجوا أيضا بأن قال وا قد اجتمعت الأمم كلها على أنه إذا سئل المرء ما اسمك قال فلان وإذا قيل له كيف سميت ابنك وعبدك قال سميته فلانا فصح أن تسميته هي اختياره وإيقاعه ذلك الاسم على المسمى وأن الاسم غير المسمى واحتجوا من طريق النظر بأن قال وا انتم تقولون أن اسم الله تعالى هو الله نفسه ثم لا تبالون بأن تقولوا أسماء الله تعالى مشتقة من صفاته فعليم مشتق من علم وقدير مشتق من قدرة وحي من حياة فإذا اسم الله هو الله واسم الله مشتق فالله تعالى على قولكم مشتق وهذا كفر بارد وكلام سخيف ولا مخلص لهم منه فصحت البراهين المذكورة من القرآن والسنن والإجماع والعقل واللغة والنحو على أن الاسم غير المسمى بلا شك ولقد أحسن أحمد بن جدار ما شاء أن يحسن إذ يقول‏:‏ هيهات يا أخت آل بما غلطت في الاسم والمسمى لو كان هذا وقيل سم مات إذا من يقول سما قال أبو محمد‏:‏ وأخبرني أبو عبد الله السائح القطان أنه شاهد بعضهم قد كتب الله في سحاة وجعل يصلى إليها قال فقلت له ما هذا قال معبود قال فنفخت فيها فطارت فقلت له قد طار معبودك قال فضربني‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وموهوا فقالوا فأسماء الله عز وجل إذا مخلوقة إذ هي كثيرة وإذ هى غير الله تعالى قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق أن كنتم تعنون الأصوات التي هي حروف الهجاء والمداد المخطوط به في القراطيس فما يختلف مسلمان في أن كل ذلك مخلوق وإن كنتم تريدون الإيهام والتمويه بإطلاق الخلق على الله تعالى فمن أطلق ذلك فهو كافر بل أن أشار مشير إلى كتاب مكتوب فيه الله أو بعض أسماء الله تعالى أو إلى كلامه إذ قال يا الله أو قال بعض أسمائه عز وجل فقال هذا مخلوق أو هذا ليس ربكم أو تكفرون بهذا لما حل لمسلم إلا أن يقول حاشا الله من أن يكون مخلوقا بل هو ربي وخالقي أؤمن به ولا أكفر به ولو قال غير هذا لكان كافرا حلال الدم لأنه لا يمكن أن يسأل عن ذات الباري تعالى ولا عن الذي هو ربنا عز وجل وخالقنا والذي هو المسمى بهذه الأسماء ولا إلى الذي يخبر عنه ولا إلى الذي يذكر إلا بذكر اسمه ولا بد فلما كان الجواب في هذه المسألة يموه أهل الجهل بإيصال ما لا يجوز إلى ذات الله تعالى لم يجز أن يطلق الجواب في ذلك البتة إلا بتقسيم كما ذكرنا وكذلك لو كتب إنسان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم أو نطلق بذلك ثم قال لنا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ليس رسول الله وتؤمنون بهذا أن تكفرون به لكان من قال ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أكفر به كافرا حلال الدم بإجماع أهل الاسلام ولكن نقول بل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نؤمن به ولا يختلف اثنان في الصوت المسموع والخط المكتوب ليس هو الله ولا رسول الله وبالله تعالى التوفيق فإن قال وا أن أحمد بن حنبل وأبا زرعة عبيد الله بن عبد الكريم وأبا حاتم محمد بن إدريس النظلي الراويين رحمهما الله تعالى إن الاسم هو المسمي قلنا لهم هؤلاء رضي الله عنهم وإن كانوا من أهل السنة ومن أئمتنا فليسوا معصومين من الخطأ ولا أمرنا الله عز وجل بتقليدهم واتباعهم في كل ما قال وه وهؤلاء رحمهم الله أراهم اختيار هذا القول قولهم الصحيح أن القرآن هو المسموع من القرآن المخطوط في المصاحف نفسه وهذا قول صحيح ولا يوجب أن يكون الاسم هو المسمى على ما قد بينا في هذا الباب وفي باب الكلام في القرآن والحمد لله رب العالمين وإنما العجب كله ممن قلب الحق وفارق هؤلاء المذكورين حيث أصابوا وحيث لا يحل خلافهم وتعلق بهم حيث وهموا من هؤلاء المنتمين إلى الأشعرية القائلين بأن القرآن لم ينزل قط إلينا ولا سمعناه قط ولا نزل به جبريل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الذي في المصاحف هو شيء آخر غير القرآن ثم أتبعوا هذه الفكرة الصلعاء بأن قال وا إن اسم الله هو الله وأنه ليس إلا اسم واحد وكذبوا الله تعالى ورسوله في أن لله أسماء كثيرة تسعة وتسعين ونعوذ بالله من الخذلان‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ ولو أن إنساناً يشير إلى كتاب مكتوب فيه الله فقال هذا ليس ربي وأنا كافر بهذا لكان كافراً ولو قال هذا المداد ليس ربي وأنا كافر بربوبية هذا الصوت لكان صادقاً وهذا لا ينكر وإنما نقف حيث وقفنا ولو أن إنساناً قال محمد رسول الله رحمه الله لم يبعد من الاستخفاف فلوا قال اللهم أرحك محمد وآل محمد لكان محسناً ولو أن إنساناً يذكر من أبويه العضو المستور باسمه لكان عاقاً أتى كبيرة وإن كان صادقاً وبالله تعالى التوفيق‏.‏

والكلام في هل يعقل الفلك والنجوم أم لا قال أبو محمد‏:‏ زعم قوم أن الفلك والنجوم تعقل وأنها ترى وتسمع ولا تذوق ولا تشم وهذه دعوى بلا برهان وما كان هكذا فهو باطل مردود عند كل طائفة بأول العقل إذ ليست أصح من دعوى أخرى تضادها وتعارضها وبرهان صحة الحكم بأن الفلك والنجوم لا تعقل أصلاً هو أن حركتها أبداً على رتبة واحدة لا تتبدل عنها وهذه صفة الجماد المدبر الذي لا اختيار له فقالوا الدليل على هذا أن الأفضل لا يختار إلا الأفضل للعمل فقلنا لهم ومن أين لكم بأن الحركة أفضل من السكون الاختياري لأننا وجدنا الحركة حركتين اختيارية واضطرارية ووجدنا السكون سكونين اختيارياً واضطرارياً فلا دليل على أن الحركة الاختيارية أفضل من السكون الاختياري ثم من لكم بأن الحركة الدورية أفضل من سائر الحركات يميناً أو يساراً أو أمام أو وراء ثم من لكم بأن الحركة من شرق إلى غرب كما يتحرك الفلك الأكبر أفضل من الحركة من غرب إلى شرق كما تتحرك سائر الأفلاك وجميع الكواكب فلاح أن قولهم مخرقة فاسدة ودعوى كاذبة مموهة و قال بعضهم لما كنا نحن نعقل وكانت الكواكب تدبرنا كانت أولى بالعقل والحياة منا فقلنا هاتان دعوتان مجموعتان في نسق أحدهما القول بأنها تدبرنا فهي دعوى كاذبة بلا برهان على ما نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى والثاني الحكم بأن من تدبرنا أحق بالعقل والحياة منا فقد وجدنا التدبير يكون طبيعياً ويكون اختيارياً فلو صح أنها تدبرنا لكان تدبيراً طبيعياً كتدبير الغذاء لنا وكتدبير الهواء والماء لنا وكل ذلك ليس حياً ولا عاقلاً بالمشاهدة وقد أبطلنا الآن أن يكون تدبير الكواكب لنا اختيارياً بما ذكرنا من جريها على حركة واحدة ورتبة واحدة لا تنتقل عنها أصلاً وأما القول بقضايا النجوم فإنا نقول في ذلك لائحاً ظاهراً إن شاء الله تعالى‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ أما معرفة قطعها في أفلاكها وآناء ذلك ومطالعها وأبعادها وارتفاعاتها واختلاف مراكز أفلاكها فعلم حسن صحيح رفيع يشرف به الناظر فيه على عظيم قدرة الله عز وجل وعلى يقين تأثيره وصنعته واختراعه تعالى للعالم بما فيه وفيه الذي يضطر كل ذلك إلى الإقرار بالخالق ولا يستغني عن ذلك في معرفة القبلة وأوقات الصلاة وينتج من هذا معرفة رؤية الأهلة لفرض الصوم والفطر ومعرفة الكسوفين برهان ذلك قول الله تعالى ‏"‏ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ‏"‏ و قال تعالى ‏"‏ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ‏"‏ و قال تعالى ‏"‏ والسماء ذات البروج ‏"‏ و قال تعالى ‏"‏ لتعلموا عدد السنين والحساب ‏"‏ وهذا نفس ما قلنا وبالله تعالى التوفيق‏.‏

وأما القضاء بها فالقطع به خطأ لما نذكره إن شاء الله تعالى وأهل القضاء ينقسمون قسمين أحدهما القائلون بأنها والفلك عاقلة مميزة فاعلة مدبرة دون الله تعالى أو معه وأنها لم تزل فهذه الطائفة كفار مشركون حلال دماؤهم وأموالهم بإجماع الأمة وهؤلاء عني رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول أن الله تعالى قال أصبح من عبادي كافر بي مؤمن بالكواكب وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه القائل مطرنا بنوء كذا وكذا وأما من قال بأنها مخلوقة وأنها غير عاقلة لكن الله عز وجل خلقها وجعلها دلائل على الكوائن‏.‏

فهذا ليس كافراً ولا مبتدعاً وهذا هو الذي قلنا فيه أنه خطأ لأن قائل هذا إنما يحيل على التجارب فما كان من تلك التجارب ظاهراً إلى الحس كالمد والجزر الحادثين عند طلوع القمر واستوائه وأفوله وامتلائه ونقصانه وكتأثير القمر في قتل الدابة الدبرة إذا لاقى الدبرة ضوءه وكتأثيره في القرع والقثاء المسموع لنموها مع القمر صوت قوي وكتأثيره في الدماغ والدم والشعر وكتأثير الشمس في عكس الحر وتصعيد الرطوبات وكتأثيرها في أعين السنانير غدوة ونصف النهار وبالعشي ونصف الليل وسائر ما يوجد حساً فهو حق لا يدقعه ذو حس سليم وكل ذلك خلق الله عز وجل فهو خلق القوي وما يتولد عنها ويوجد بها كما قال تعالى ‏"‏ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ‏"‏ وأما ما كان من تلك التجارب خارجاً عما ذكرنا فهو دعاوي لا تصح لوجوه أحدها أن التجربة لا تصح إلا بتكرر كثير موثوق بدوامه تضطر النفوس إلى الإقرار به كاضطرارنا إلى الإقرار بأن الإنسان إن بقي ثلاث ساعات تحت الماء مات وإن ادخل يده في النار احترق ولا يمكن هذا في القضاء بالنجوم لأن النصب الدالة عندهم على الكائنات لا تعود إلا في عشرات آلاف من السنين لا سبيل إلى أن يصح منها تجربة ولا إلى أن تبيقي دورة تراعي تكرار تلك الأدوار وهذا برهان مقطوع به على بطلان دعواهم في صحة القضايا بالنجوم وبرهان آخر وهو ان شروطهم في القضاء لا تمكنهم الإحاطة بها أصلاً من معرفة مواقع السهام ومطارح الشعاعات وتحقيق الدرج النيرة والغيمة والمظلمة والآثار والكواكب البنيانية وسائر شروطهم التي يقرون أنه لا يصح القضاء إلا بتحقيقها وبرهان ثالث وهو أنه ما دام يشتغل المعدل في تعديل كوكب زل عنه سائر الكواكب ولو دقيقة ولا بد وفي هذا فساد القضاء بإقرارهم وبرهان رابع وهو ظهور اليقين بالباطل في دعواهم إذ جعلوا طبع زحل البرد واليبس وطبع المريخ الحر واليبس وطبع القمر البرد والرطوبة وهذه الصفات إنما هي للعناصر التي دون فلك القمر وليس شيء منها في الأجرام العلوية لأنها خارجة عن محل حوامل هذه الصفات والأعراض لا تتعدى حواملها والحوامل لا تتعدى مواضعها التي رتبها الله فيها وبرهان خامس وهو ظهور كذبهم في قسمتهم الأرض على البروج والدراري ولسنا نقول في المدن التي يمكنهم فيها دعوى أن بناءها كان في طالع كذا ونصه كذا لكن في الأ قال يم والقطع من الأرض التي لم يتقدم كون بعضها كون بعض كذبهم فيما عليه بنوا قضاياهم في النجوم وكذلك قسمتهم أعضاء الجسم والفلزات على الدراري أيضاً وبرهان سادس أننا نجد نوعاً وأنواعاً من أنواع الحيوان قد فشا فيها الذبح فلا تكاد يموت شيء منها إلا مذبوحاً كالدجاج والحمام والضان والمعز والبقر التي لا تموت منها حتف أنفه إلا في غاية الشذوذ ونوعاً وأنواعاً لا تكاد تموت إلا حتف أنوفها كالحمير والبغال وكثير من السباع وبالضرورة يدري كل أحد أنها قد تستوي أوقات ولادتها فبطل قضاؤها بما يوجب الموت الطبيعي وبما يوجب الكرهى لاستواء جميعها في الولادات واختلافها في أنواع المنايا وبرهان سابع وهو أننا نرى الخصافا شيئاً في سكان الاقليم الأول وسكان الاقليم السابع ولا سبيل إلى وجوده البتة في سكان سائر الأ قال يم ولا شك ولا مرية في استوائهم في أوقات الولادة فبطل يقيناً قضاؤهم بما يوجب الخصا وبما لا يوجبه بما ذكرنا من تساويهم في أوقات التكون والولادة واختلافهم في الحكم ويكفي من هذا أن كلامهم في ذلك دعوى بلا برهان وما كان هكذا فهو باطل مع اختلافهم فيما يوجبه الحكم عندهم والحق لا يكون في قولين مختلفين وأيضاً فإن المشاهدة توجب أننا قادرون على مخالفة أحكامهم متى أخبرونا بها فلو كانت حقاً وحتماً وما قدر أحد على خلافها وإذا أمكن خلافها فليست حقاً فصح أنها تخرص كالطرق بالحصا والضرب بالحب والنظر في الكتف والزجر والطيرة وسائر ما يدعي أهله فيه تقديم المعرفة بلا شك وما يخص ما شاهدناه وما صح عندنا مما حققه حذاقهم من التعديل في الموالد والمناجات وتحاول السنين ثم قضوا فيه فاخطؤا وما تقع أصابتهم من خطئهم إلا في جزء يسير فصح أنه تحرص لا حقيقة فيه لا سيما دعواهم في إخراج الضمير فهو كله كذب لمن تأمله وبالله تعالى التوفيق وكذلك قولهم في القرانات أيضاً ولو أمكن تحقيق تلك التجارب في كل ما ذكرنا لصدقناها وما يبدوا منها ولم يكن ذلك علم غيب لأن كل ما قام عليه دليل من خط أو كتف أو زجر أو تطير فليس غيباً لو صح وجه كل ذلك وإنما الغيب وعلمه هو أن يخبر المرء بكائنة من الكائنات دون صناعة أصلاً من شيء مما ذكرنا ولا من غيره فيصيب الجزئي والكلي وهذا لا يكون إلا لنبي وهو معجزة حينئذٍ وأما الكهانة فقد بطلت بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا من أعلامه وآياته وبالله تعالى التوفيق‏.‏

 الكلام في خلق الله تعالى للشيء

أهو المخلوق نفسه أم غيره وهل فعل الله من دون الله تعالى هو المفعول أم قال أبو محمد‏:‏ ذهب قوم إلى أن خلق الشيء هو غير الشيء المخلوق واحتج هؤلاء بقول الله عز وجل ‏"‏ ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ‏"‏ قال أبو محمد‏:‏ ولا حجة لهم في هذه الآية لأن الإشهاد هاهنا هو الإحضار بالمعرفة وهذا حق لأن الله تعالى لم يحضرنا عارفين ابتداء خلق السماوات والأرض وابتداء أنفسنا ووجدنا من قال أن خلق الشيء هو الشيء نفسه يحتج بقول الله تعالى هذا خلق الله وهذه إشارة إلى جميع المخلوقات فقد سمي الله تعالى جميع المخلوقات كلها خلقاً له وهذا برهان لا يعارض‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ ثم نسأل من قال أن خلق الشيء هو غير الشيء فنقول له أخبرنا عن خلق الله تعالى لما خلق أمخلوق هو أيضاً أم غير مخلوق فلا بد من أحد الأمرين فإن قال وا هو غير مخلوق أوجبوا بإزاء كل مخلوق شيئاً موجوداً غير مخلوق وهذا مضاهاة لقول الدهرية والبرهان قد قام بخلاف هذا و قال تعالى ‏"‏ خلق كل شيء فقدره تقديراً ‏"‏ وإن قال وا بل خلقه تعالى لما خلق قلنا فخلقه تعالى لذلك الخلق أبخلق أم بغير خلق فإن قال وا بغير خلق قيل لهم من أين قلتم أن خلقه للأشياء بمخلق هو غير المخلوق وقلتم في خلقه لذلك الخلق أنه بغير خلق وهذا تخليط وإن قال وا بل خلقه بخلق سألناهم الخلق هو أم بخلق هو غيره وهكذا أبداً فإن وقفوا في شيء من ذلك فقالوا خلقه هو هو سألناهم عن الفرق بين ما قال وا أن خلقه هو غيره وبين ما قال وا أن خلقه هو هو وإن تماد وأخرجوا إلى وجود أشياء لا نهاية لها وهذا محال ممتنع وقد قطع بهذا معمر بن عمرو العطار أحد رؤساء المعتزلة وسنذكر كلامه بعد هذا إن شاء الله تعالى متصلاً بهذا الباب وبالله تعالى نتأيد وأيضاً فإن الجميع مطبقون على أن الله عز وجل خلق ما خلق بلا معاياة فإذ لا شك في ذلك فقد صح يقيناً أنه لا واسطة بين الله تعالى وبين ما خلق ولا ثالث في الوجود غير الخالق والمخلوق وخلق الله تعالى ما خلق حق موجود وهو بلا شك مخلوق وهو بلا شك ليس هو الخالق فهو المخلوق نفسه بيقين لا شك فيه إذ لا ثالث هاهنا أصلاً وبالله تعالى التوفيق‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وكل من دون الله تعالى فعله هو مفعوله نفسه لا غير لأنه لا يفعل أحد دون الله تعالى إلا حركة أو سكوناً أو تأثيراً أو معرفة أو فكرة أو إرادة ولا مفعول لشيء دون الله تعالى إلا ما ذكرنا فهي مفعولات الفاعلين وهي أفعال الفاعلين ولا فرق وما عدا هذا فإنما هو مفعول فيه كالمضروب والمقتول أو مفعول به كالسوط والإبرة وما أشبه ذلك أو مفعول له كالمطاع والمخدوم أو مفعول من أجله كالمكسوب والمحلوب فهذه أوجه المفعولات‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وأما سائر أفعال الله تعالى فبخلاف ما قلنا في الخلق بل هي غير المفعول فيه أوله أو به أو من أجله وذلك كالأحياء فهو غير المحيا بلا شك وكلاهما مخلوق لله تعالى وخلقه تعالى لكل ذلك هو المخلوق نفسه كما قلنا وكالا ماتة فهي غير الممات ولو كان غير هذا وكان الأحياء هو المحيا والإماتة هي الممات وبيقين ندري أن المحيا هو الممات نفسه لوجب أن يكون الأحياء هو الإماتة وهذا محال وكالإبقاء فهو غير المبقي للبرهان الذي ذكرنا وبيقين ندري أن الشيء غير أعراضه التي هي قائمة به وقتاً وفانية عنه تارة وبالله تعالى التوفيق‏.‏

 الكلام في البقاء والفناء

والمعاني التي يدعيها معمر والأحوال التي تدعيها الأشعرية وهل المعدوم شيء أم ليس شيئاً ومسئلة الأجزاء وهل يتجدد خلق الله للأشياء أم لا يتجدد قال أبو محمد‏:‏ ذهب قوم إلى أن البقاء والفناء صفتان للباقي والفاني لا هما الباقي ولا الفاني ولا هما غير الباقي والفاني‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا قول في غاية الفساد لأن القضية الثانية بنقيض الأولى والأولى بنقيض الثانية لأنه إذا قال ليست هي فقد أوجب أنها غيره وإذا قال ليست غيره فقد أوجب أنه هو وهذا تناقض ظاهر وأيضاً فإنه لا فرق بين قول القائلين ليس هو هو ولا غيره وبين قوله هو هو وهو غيره والمعنى في تلك القضيتين سواء وأيضاً فلو كان البقاء ليس هو الباقي ولا هو غيره والفناء ليس هو الفاني ولا هو غيره فالباقي هو الفاني نفسه والباقي ليس هو الباقي ولا غيره وهذا مزيد من الجنون ومن التناقض وذهب معمر إلى أن الفناء صفة قائمة بغير الفاني‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا تخبيط لا يعقل ولا يتوهم ولا يقوم عليه دليل أصلاً وما كان هكذا فهو باطل والحقيقة في ذلك ظاهرة وهي أن البقاء هو وجود الشيء وكونه ثابتاً قائماً مدة زمان ما فإذ هو قائم كذلك فهو صفة موجودة في الباقي محمولة فيه قائمة به موجودة بوجوده فانية بفنائه وأما الفناء فهو عدم الشيء وبطلانه جملة وليس هو شيئاً أصلاً والفناء المذكور ليس موجوداً البتة في شيء من الجواهر وإنما هو عدم العرض فقط كحمرة الخجل إذا ذهبت عبر عن المعنى المراد بالإخبار عن ذهابها بلفظة الفناء كالغضب يفنى ويعقبه رضاً وما أشبه ذلك لو شاء الله عز وجل أن يعدم الجواهر لقدر على ذلك ولكنه لم يوجد ذلك إلى الآن ولا جاء به نص فيقف عنده فالفناء عدم كما قلنا‏.‏

 الكلام في المعدوم أهو شيء أم لا

قال أبو محمد‏:‏ وقد اختلف الناس في المعدوم أهو شيء أم لا فقال أهل السنة وطوائف من المرجئة كالأشعرية وغيرهم ليس شيئاً وبه يقول هشام بن عمرو الغوطي أحد شيوخ المعتزلة و قال سائر المعتزلة المعدوم شيء و قال عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط أحد شيوخ المعتزلة أن المعدوم جسم في حال عدمه إلا انه ليس متحركاً ولا ساكناً ولا مخلوقاً ولا محدثاً في حال عدمه‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ واحتج من قال بأن المعدوم شيء بان قال وا قال عز وجل إن زلزلة الساعة شيء عظيم فقالوا فقد أخبر الله عز وجل بأنها شيء وهي معدومة ومن الدليل على أن المعدوم شيء أنه يخبر عنه ويوصف ويتمنى ومن المحال أن يكون ما هذه صفته ليس شيئاً‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ أما قول الله عز وجل ‏"‏ إن زلزلة الساعة شيء عظيم ‏"‏ فإن هذه القصة موصولة بقوله تعالى ‏"‏ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ‏"‏ فإنما تم الكلام عند قوله يوم ترونها فصح أن زلزلة الساعة يوم ترونها شيء عظيم وهذا هو قولنا ولم يقل تعالى قط أنها الآن شيء عظيم ثم أخبر تعالى بما يكون يومئذ من هول المرضعات ووضع الأحمال وكون الناس سكارى من غير خمر فبطل تعلقهم بالآية وما نعلم أنهم شغبوا بشيء غيرها وأما قولهم أن المعدوم يخبر عنه ويوصف ويتمنى ويسمى فجهل شديد وظن فاسد وذلك أن قولنا في شيء يذكر أنه معدوم ويخبر عنه أنه معدوم ويتمنى به إنما هو أن يذكر اسم ما فذلك الاسم موجود بلا شك يعرف ذلك بالحس كقولنا العنقاء وابن آوى وحبين وعرس ونبوة مسيلمة وما أشبه ذلك ثم كل اسم يتعلق به ويوجد ملفوظاً أو مكتوباً فإنه ضرورة لا بد له من أحد وجهين أما أن يكون له مسمى وإما أن يكون ليس له مسمى فإن كان له مسمى فهو موجود وهو شيء حينئذ وإن كان ليس له مسمى فأخبارنا بالعدم وتمنينا للمريض بالصحة إنما هو إخبار عن ذلك الاسم الموجود أنه ليس له مسمى ولا تحته شيء وتمن منا لأن يكون تحته مسمى فهكذا هو المر لا كما ظنه أهل الجهل فصح أن المعدوم لا يخبر عنه ولا يتمنى ونسألهم عمن قال ليت لي ثوباً أحمر وغلاماً أسود أخبرونا هل الثوب المتنى به عندكم أحمر أم لا فإن أثبتوا معنى وهو ثوباً أحمر أثبتوا عرضاً محمولاً فيه وهو الحمرة فوجب أن المعدوم يحمل الأعراض وإن قال وا لم يتمن شيئاً أصلاً صدقوا وصح أن المعدوم لا يتمنى لأنه ليس شيئاً ولا فرق بين قول القائل تمنيت لا شيء وبين قوله لم أتمن شيأ بل هما متلايمان بمعنى واحد وهذا أيضاً يخرج على وجه آخر وهو أنه لا يتمنى إلا شيأ موجود في العالم كثوب موجود او غلام موجود واما من اخرج لفظة التمني لما ليس في العالم فلم يتمن شيأ وأما قولهم يوصف فطريق عجب جداً لأن معنى قول القائل يوصف إخبار بأن له صفة محمولة فيه موجودة به فليت شعري كيف يحمل المعدوم الصفات من الحمرة والخضرة والقوة والطول والعرض إن هذا لعجيب جداً فظهر فساد ما موهوا به والحمد قال أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وإذ قد عرا قولهم عن الدليل فقد صح أنه دعوى كاذبة ثم نقول وبالله التوفيق من البرهان على أن المعدوم اسم لا يقع على شيء أصلاً قول الله عز وجل وقد خلقتك من قبل ولم تك شيأ وقوله تعالى هل أتي على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيأ مذكوراً وقوله وخلق كل شيء فقدره تقديرا و قال عز وجل إنا كل شيء خلقناه بقدر فيلزمهم ولا بد إن كان المعدوم شيأ أن يكون مخلوقاً بعد وهم لا يختلفون في أن المخلوق موجود وقد وجد وقتاً من الدهر فالمعدوم على هذا موجود وقد كان موجوداً وهذا خلاف قولهم وهذا غاية البيان في أن المعدوم ليس شيئاً‏.‏

قال أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ ونسألهم ما معنى قولنا شيء فلا يجدون بداً من أن يقولوا أنه الموجود وأن يقولوا هو كل ما يخبر عنه فإن قال وا هو الموجود صاروا إلى الحق وإن قال وا هو كل ما يخبر عنه قلنا لهم إن المشركين يخبرون عن شريك الله عز وجل قال تعالى ‏"‏ أين شركائي ‏"‏‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا معدوم لا مدخل له في الحقيقة واسم لا مسمى تحته فإن قال وا إن شركاء الله تعالى أشياء كانوا قد أفحشوا وأيضاً فإنه قد اتفقت جميع الأمم لا نحاشي أن المعدوم ليش شيئاً أو لا شيء أو ما يعبر به في كل لغة عن شيء ومن لا شيء إلا أن المعنى واحد فلو كان المعدوم شيئاً لكان ما أجمعوا عليه بلا شيء وليس شيئاً ولم يكن شيئاً باطلاً وهذا رد على جميع أهل الأرض مذ كانوا إلى أن يفنى العالم فصح أن الموجود هو الشيء فإذ هو الشيء فبضرورة العقل أن اللاشيء هو المعدوم ثم نسألهم أتقولون أن المعدوم عظيم أو صغير أو حسن أو قبيح أو طويل أو قصير أو ذو لون في حال عدمه فإن أبوا من هذا تناقض قولهم وسئلوا عن الفرق بين قولهم أنه شيء وبين قولهم أنه حسن او قبيح أو صغير أو كبير وكيفقالوا أنه شيء ثم قال وا أنه ليس حسناً ولا قبيحاً ولا صغيراً وكبيراً فإن قال وا نعم أوجبوا أن المعدوم يحمل الأعراض والصفات وهذا تخليط ناهيك به وسئلوا فيماذا يحمل الصفات أفي ذاته أو فيما ذا فإن قال وا في ذاته أوجبوا أنه له ذاتاً وهذه صفة الموجود ضرورة وإن قال وا بل يحمل الصفات في غيره كان ذلك أيضاً عجباً زائداً لا خفاء به‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ ونسألهم هل الإيمان موجود من أبي جهل أو معدوم فإن قولهم بلا شك أنه معدوم منه‏.‏

فنسألهم عن إيمان أبي جهل المعدوم حسن هو أم قبيح‏.‏

فإن قال وا لا حسن ولا قبيح قلنا لهم أيكون يعقل إيمان ليس حسناً هذا عظيم جداً‏.‏

وإن قال وا بل هو حسن أوجبوا أنه حاصل للحسن وكذلك نسألهم عن الكفر المعدوم من الأنبياء عليهم السلام أقبيح هو أم لا‏.‏

فإن قال وا لا أوجبوا كفراً ليس قبيحا‏.‏

وإن قال وا بل هو قبيح أوجبوا أن المعدوم يحمل الصفات ونسألهم عن ولد العقيم المعدوم منه أصغير هو أم كبير أم عاقل أم أحمق‏.‏

فإن منعوا من وجود شيء من هذه الصفات له كان عجباً أن يكون ولد لا صغير ولا كبير ولا حي ولا ميت وإن وصفوه بشيء من هذه الصفات أتوا بالزيادة من المحال ونسألهم عن الأشياء المعدومة ألها عدد أم لا عدد لها‏.‏

فإن قال وا لا عدد لها كانوا قد أتوا بالمحال إذ أقروا بأشياء لا عدد لها‏.‏

وإن قال وا بل لها عدد كان ذلك عجباً جداً أو محالاً لا خفاء به وسألناهم عن الأولاد المعدومين من العاقر والعقيم كم عددهم‏.‏

ونسألهم عن الأشياء المعدومة أهي في العالم ومن العالم أم ليست في العالم ولا من العالم فإن قال وا هي في العالم ومن العالم سألناهم عن مكانها فإن حددوا لها مكاناً سخفوا ما شاؤا وإن قال وا لا مكان لها قيل لهم وكيف يكون شيء في العالم لا مكان له فيه ولا حامل‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ ويلزمهم أن المعدومات إذا كانت أشياء لا عدد لها ولا نهاية ولا مبدأ فإنها لم تزل وهذه دهرية محققة وكفر مجرد أن تكون أشياء لا تحصى كثرة لم تزل مع الله تعالى ونعوذ بالله من مثل هذا الهوس‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وقد ادعوا أن المعدوم يعلم وهذا جهل منهم بحدود الكلام لا سيما ممن أقر بأن المعدوم لا شيء وادعى مع ذلك أنه يعلم فألزمناهم على ذلك أنهم يعلمون لا شيء وأن الله تعالى يعلم لا شيء فجسر بعضهم على ذلك فقلنا لهم إن قولك علمت لا شيء وعلم الله تعالى لا شيء ملائم لقولك لم أعلم شيئاً ولقولك لم يعلم الله تعالى شيئاً لا فرق بين معنى القضيتين البتة بل هما واحد وإن اختلفت العبارتان وإذ هو كذلك فقد صح أن المعدوم لا يعلم فإن ألزمنا على هذا وسألنا هل يعلم الله تعالى الأشياء قبل كونها أم لا قلنا لم يزل الله تعالى يعلم أن ما يخلقه أبداً إلى ما لا نهاية له فإنه سيخلقه ويرتبه على الصفات التي يخلقها فيها إذا خلقه وأنه سيكون شيئاً إذا كونه ولم يزل عز وجل يعلم أن ما لم يخلق بعد فليس هو شيئاً حتى يخلقه ولم يزل تعالى يعلم أنه لا شيء معه وأنه ستكون الأشياء أشياء إذا خلقها لأنه تعالى إنما يعلم الأشياء على ما هي عليه لا على خلاف ما هي عليه لأن من علمها على خلاف ما هي عليه فلم يعلمها بل جهلها وليس هذا علماً بل هو ظن كاذب وجهل وبرهان هذا قول الله عز وجل ‏"‏ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ‏"‏ ولو في لغة العرب التي خاطبنا الله تعالى بها حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فصح أنه تعالى لم يسمعهم لأنه لم يعلم فيهم خيراً أو لا خير فيهم فصح أن المعدوم لا يعلم أصلاً ولو علم لكان موجوداً وإنما يعلم الله تعالى أن لفظة المعدوم لا مسمى لها ولا شيء تحتها ويعلم عز وجل الآن أن الساعة غير قائمة وهو الآن تعالى لا يعلمها قائمة بل يعلم أنه سيقيمها فتقوم فتكون قيامة وساعة ويوم جزاء ويوم بعث وشيئاً عظيماً حين يخلق كل ذلك لا قبل أن يخلقه فأما علمه تعالى بأنه سيقيمها فتقوم فهو موجود حق فهذا معنى إطلاق العلم على ما لم يكن بعد من المعدومات كما أننا لا نعلم الآن الشمس طالعة طلوعها في غد بل نعلم أنها ستطلع غداً وكذلك لا نعلم موت الأحياء الآن بل نعلم أن الله تعالى سيخلق موتهم فنعلمه موتاً لهم إذا خلقه لا قبل ذلك وبالله تعالى التوفيق و قال تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين فهذا نص جلى على أن المعدوم لا يعلم لأن الله تعالى أخبر أنه لا يدخل الجنة من لا يعمله الله تعالى مجاهداً ولا صابراً فصح أن من لم يجاهد ولا صبر فلم يعلمه الله تعالى قط مجاهداً ولا صابراً ولا علم له جهاداً ولا صبراً وإنما علمه غير مجاهد وغير صابر ولم يزل تعالى يعلم أن من كان منهم سيجاهد وسيصبر فإنه لم يزل يعلم أن سيجاهد وسيصبر فإذا جاهد وصبر علمه حينئذ صابراً مجاهداً والعلم لا يستحيل لأنه ليس شيئاً غير الباري تعالى وإنما استحال المعلوم فقط‏.‏

ثم نسألهم هل يعلم الله تعالى لحية الأطلس وقنا الأفطس أم لا يعلم ذلك وهل يعلم الله تعالى أولاد العقيم وإيمان الكافر وكفر المؤمن وكذب الصادق وصدق الكاذب أم لا يعلم شيئاً من ذلك‏.‏

فإن قال وا إن الله تعالى يعلم كل ذلك كانوا قد وصفوا الله تعالى باجهل وأنه يعلم الأشياء بخلاف ما هي عليه‏.‏

وإن قال وا أنه تعالى لا يعلم للعقيم أولاداً وإنما يعلمه لا ولد له ولا يعلم لحية الكلام في المعاني على معمر قال أبو محمد‏:‏ وأما معمر ومن اتبعه فقالوا أنا وجدنا المتحرك والساكن فأيقنا أن معنى الحدث في المتحرك به فارق الساكن في صفته وإن معنى حدث في الساكن به أيضاً فارق المتحرك في صفته وكذلك علمنا أن في الحركة معنى به فارقت السكون وإن في السكون معنى به فارق الحركة وكذلك علمنا أن في ذلك المعنى الذي به خالفت الحركة السكون معنى به فارق المعنى الذي به فارقه السكون وهكذا أبداً أوجبوا أن في كل شيء في هذا العالم من جوهر أو عرض أي شيء كان معاني فارق كل معنى منها كل ما عداه في العالم وكذلك أيضاً في تلك المعاني لأنها أشياء موجودة متغايرة وأوجبوا بهذا وجود أشياء في زمان محدود في العالم لا نهاية لعددها‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ هذه جملة كل ما شغبوا به إلا أنهم فصلوها ومدوها في الكفر والكافر والإيمان والمؤمن وفي غير ذلك مما هو المعنى الذي أوردناه بعينه ولا زيادة فيه أصلاً‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا ليس شيئاً لأننا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق العالم كله قسمان جوهر حامل وعرض محمول ولا مزيد ولا ثالث في العالم غير هذين القسمين هذا أمر يعرف بضرورة العقل وضرورة الحس فالجواهر مغايرة بعضها لبعض بذواتها التي هي أشخاصها يعني بالغيرية فيها وتختلف أيضاً بجنسها وهي أيضاً مفترق بعضها من بعض بالعرض المحمول في كل حامل من الجواهر وأما الأعراض فمغايرة للجواهر بذواتها بالغيرية فيها وكذلك هذه أيضاً بعضها مغاير لبعض بذواتها وبعضها مفارق لبعض بذواتها وإن كان بعض الأعراض أيضاً قد تحمل الأعراض كقولنا حمرة مشرقة وحمرة كذرة وعمل سيئ وعمل صالح وقوة شديدة وقوة دونها في الشدة ومثل هذا كثير إلا أن كل هذا يقف في عدد متناه لا يزيد وهذا أمر يعلم بالحس والعقل فالمتحرك يفارق الساكن هذا بحركته وهذا بسكونه والحركة تفارق السكون بذاتها ويفارقها السكون بذاته وبالنوعية والغيرية والحركة إلى الشرق تفارق الحركة إلى الغرب بكون هذه إلى الشرق وبكون هذه إلى الغرب بذاته وبالغيرية فقط وهكذا في كل شيء فكل شيئين وقعا تحت نوع واحد مما يلي الأشخاص فإنهما يختلفان بغيريتهما فإن كانا وقعا تحت نوعين فإنهما يختلفان بالغيرية في الشخص وبالغيرة في النوع أيضاً والغيرية أيضاً لها نوع جامع لجميع أشخاصها إلا أن كل ذلك واقف عند حد من العدد لا يزيد ولا بد ثم نسألهم خبرونا عن المعاني التي تدعونها في حركة واحدة أيما أكثر أهي أم المعاني التي تدعونها في حركتين فإن أثبتوا قلة وكثرة تركوا مذهبهم وأوجبوا النهاية في المعاني التي نفوا النهاية عنها وإن قال وا إلا قلة ولا كثرة هاهنا كابروا وأتوا بالمحال الناقض أيضاً لأقوالهم لأنهم إذا أوجبوا للحركة معنى أوجبوا للحركتين معنيين وهكذا أبداً فوجبت الكثرة والقلة ضرورة لا محيد عنها‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فلم يكن لهم جواب أصلاً إلا أن بعضهم قال أخبرونا أليس الله تعالى قادراً على أن يخلق في جسم واحد حركات لا نهاية لها‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فجواب أهل الإسلام في هذا السؤال نعم وأما من عجز ربه فأجابوا بلا فسقط هذا السؤال عنهم وكان سقوط الإسلام عنهم بهذا الجواب أشد من سقوط سؤال أصحاب معمر‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فتمادى سؤالهم لأهل الحق فقالوا فأخبرونا أيما أكثر ما يقدر الله تعالى عليه من خلق الحركات في جسمين أو ما يقدر عليه من خلق الحركات في جسم واحد فكان جواب أهل الحق في ذلك أنه لا يقع عدد على معدوم ولا يقع العدد إلا على موجود معدود والذي يقدر الله تعالى عليه ولم يفعله فليس هو بعد شيئاً ولا له عدد ولا هو معدود ولا نهاية لقدرة الله تعالى وأما ما يقدر عليه تعالى ولم يفعله فلا ي قال فيه أن له نهاية ولا أنه لا نهاية له وأما كل ما خلق الله تعالى فله نهاية بعد وكذا كل ما يخلق فإذا خلقه حدثت له نهاية حينئذ لا قبل ذلك وأما المعاني التي تدعونها فإنكم تدعون أنها موجودة قائمة فوجب أن يكون لها نهاية فإن نفيتم النهاية عنها لحقتم بأهل الدهر وكلمناكم بما كلمناهم به مما قدر ذكرنا قبل وبالله تعالى التوفيق ثم لو تثبت لكم هذه العبارة من قول القائل أن ما يقدر الله تعالى عليه لا نهاية لعدده وهذا لا يصح بل الحق في هذا أن نقول أن الله تعالى قادر على أن يخلق ما لا نهاية له في وقت ذي نهاية ومكان ذي نهاية ولو شاء أن يخلق ذلك في وقت غير ذي نهاية وكان غير ذي نهاية لكان قادراً على كل ذلك لما وجب من ذلك إثبات ما ادعيتم من وجود معان في وقت واحد لا نهاية لها إذ ليس هاهنا عقل يوجب ذلك ولا خبر يوجب ذلك وإنما هو قياس منكم إذ قلتم لما كان قادراً على أن يخلق ما لا نهاية له قلنا أنه قد خلق ما لا نهاية له فهذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان القياس حقاً لكان هذا منه باطلاً لأنه بزعمكم قياس موجود على معدوم وقياس وتشبيه لما قد خلقه بزعمكم على ما لم يخلقه وهذا في غاية الفساد ولا فرق بينكم في هذا القياس الفاسد وبين من يقول أن في بلد كذا قوماً يشمون من عيونهم ويسمعون من أنوفهم ويذوقون من آذانهم ويبصورون من ألسنتهم فإذا كذب في ذلك وسئل برهاناً على دعواه قال أتقرون أن الله قادر على خلق ذلك فقلنا له نعم قال فهذا دليل على صحة دعواي بل أنتم أسوأ حالاً لأن هذا أخبر عن متوهم لو كان كيف كان يكون فأنتم أتخبرون عن غير متوهم في النفس ولا متشكل في العقل وهو إقراركم بوجود معان لا نهاية لعددها في وقت واحد‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ فبطل هذا القول الفاسد والحمد لله رب العالمين وكان يكفي من بطلانها أنها دعوى لا برهان على صحتها وهي دعوى فاسدة غير ممكنة بل هي محال لا يتوهم ولا يتشكل وبالله تعالى التوفيق‏.‏